
عندما يُذكر “الفقد”، يتبادر إلى الذهن الموت حصرًا، لكن الحقيقة أوسع وأكثر تعقيدًا. ففقدان وظيفة، أو انتهاء علاقة حب، أو حتى تدهور الصحة، هي أشكال من الفقد تترك ندوبًا عميقة توازي في أثرها الرحيل الأبدي. بالنسبة للرجال، غالبًا ما تتحول هذه الأزمات الوجودية إلى معارك صامتة تُخاض في الخفاء، حيث تُعيد صياغة هوياتهم وتجبرهم على إعادة تقييم معنى الحياة، وكل ذلك خلف ستار من الصمت الذي قد يكون قاتلًا.
الاختلافات البيولوجية: لماذا يحزن الرجال بشكل مختلف؟
لا يعود التباين في التعبير عن الحزن بين الرجال والنساء إلى الأعراف الاجتماعية فحسب، بل تمتد جذوره إلى اختلافات بيولوجية وعصبية عميقة. تشير الأبحاث إلى أن هرمون التستوستيرون لدى الرجال يعزز لديهم النزعة نحو الكبت والتعامل العملي مع الأزمات، بدلًا من الانفتاح العاطفي. في المقابل، يسهم هرمون الإستروجين لدى النساء في زيادة قدرتهن على التعبير عن المشاعر والبحث عن الدعم.
هذا التباين يظهر بوضوح في الدماغ. فقد كشفت تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي أنه عند مواجهة الحزن، تنشط لدى الرجال مناطق الفص الجبهي المرتبطة بالتفكير المنطقي وحل المشكلات، بينما تنشط لدى النساء مناطق الجهاز الحوفي، المسؤول المباشر عن المعالجة العاطفية. هذا الاختلاف يفسر لماذا يميل الرجال إلى “فعل” شيء ما حيال حزنهم، بدلًا من “الشعور” به أو “الحديث” عنه.
استراتيجيات المواجهة: الهروب إلى العمل، والمغامرة، والصمت:
يلجأ الرجال غالبًا إلى ثلاث استراتيجيات رئيسية لمواجهة الفقد، وكلها تهدف إلى تجنب المواجهة المباشرة مع الألم:
- العمل المفرط: ينغمس كثيرون في مهام لا تنتهي، محولين أماكن عملهم إلى ملاذ للهروب من التفكير في الخسارة. إنها آلية دفاعية شائعة، لكنها لا تعالج الجرح، بل تؤجله فقط.
- النشاط البدني والمغامرة: يختار البعض الحركة والتحدي الجسدي لاستعادة الشعور بالسيطرة. فالبريطاني توم لاكي، بعد وفاة زوجته، بدأ في تسلق المباني الشاهقة وركوب أجنحة الطائرات في التسعين من عمره، ليجد في المخاطرة طاقة للاستمرار. آخرون، مثل لاعب الكريكيت السابق توم سميث، يجدون في التمارين المنتظمة والدعم النفسي المتخصص مسارًا علاجيًا لاستعادة التوازن.
- الصمت العاطفي: وهي الاستراتيجية الأكثر شيوعًا وخطورة. يمتنع الرجال عن مشاركة مشاعرهم لتجنب وصمة “الضعف”، وهو سلوك متجذر في القوالب النمطية للرجولة. لكن هذا الصمت قد يكون له ثمن باهظ على صحتهم.
عندما يتحول الحزن إلى مرض: التكلفة الجسدية للفقد
الحزن المكتوم ليس مجرد ألم نفسي، بل هو خطر جسدي حقيقي. تشير الأبحاث الطبية إلى أن الحزن الشديد، خاصة بعد فقدان الشريك، قد يؤدي إلى مشكلات صحية جسيمة:
- متلازمة القلب المكسور: وهي حالة ضعف مؤقت وحاد في عضلة القلب، تشبه أعراض النوبة القلبية. وتنتج عن موجة مفاجئة من الحزن تسبب ارتفاعًا هائلاً في هرمونات التوتر.
- ارتفاع هرمونات التوتر: يؤدي الإجهاد الشديد الناتج عن الفقد إلى زيادة إفراز الكورتيزول والأدرينالين. مما يرفع مخاطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، واضطراب نبضات القلب، وتصلب الشرايين.
- زيادة معدل الوفيات: وجدت دراسة أن فقدان الشريك يرتبط بزيادة خطر الوفاة المبكرة بنسبة 23%، فيما يعرف علميًا بتأثير “الترمّل”.
- ضعف المناعة: الحزن المزمن يضعف جهاز المناعة، مما يجعل الجسم أكثر عرضة للالتهابات والأمراض المزمنة.
طريق التعافي: كسر جدار الصمت
إن الطريق إلى التعافي يبدأ من الاعتراف بالألم. تؤكد دراسة تاريخية لجامعة هارفارد، استمرت لأكثر من 80 عامًا، أن العلاقات القوية هي أهم محدد للصحة النفسية والجسدية. فالرجال الذين يتمتعون بشبكات دعم قوية من الأصدقاء والعائلة يعيشون أطول ويتمتعون بصحة أفضل.
على الرغم من الفوائد الواضحة، يظل طلب الدعم تحديًا كبيرًا لكثير من الرجال بسبب الضغوط الثقافية. لكن الحقيقة الثابتة هي أن الحديث عن المشاعر مع شخص موثوق. سواء كان صديقًا أو مختصًا نفسيًا، يسرّع عملية التعافي ويقلل من آثار الحزن طويلة المدى.
في النهاية، لا بد من إدراك أن الصمت ليس قوة، بل هو قناع قد يخفي وراءه انهيارًا وشيكًا. إن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في إخفاء الألم. بل في مواجهته والبحث عن سند، قبل أن يحول الحزن الدفين الجسد إلى عدوه الأول.



