
تُعدّ بلاد ما بين النهرين من أقدم مناطق الحضارة في العالم، وقد نشأت على أرضها أولى المجتمعات المنظمة في تاريخ البشرية. تقع هذه المنطقة بين نهري دجلة والفرات، وتشمل في الغالب أراضي العراق الحالية وأجزاء من سوريا وتركيا وإيران. وبفضل موقعها الجغرافي وخصوبة أراضيها، أصبحت مهدا للزراعة، والكتابة، والقوانين، والعلوم.
الموقع الجغرافي وأهميته
تميّزت بلاد ما بين النهرين بوفرة المياه الناتجة عن نهري دجلة والفرات، مما ساعد السكان الأوائل على تطوير الزراعة ونظم الري. وقد أدى ذلك إلى الاستقرار السكاني وظهور القرى، ثم المدن الكبرى مثل أوروك وأور ولكش، التي شكّلت نواة أولى الحضارات الإنسانية.
الحضارة السومرية
تُعدّ الحضارة السومرية (حوالي 3500 ق.م) أول حضارة معروفة في بلاد ما بين النهرين. اشتهر السومريون باختراع الكتابة المسمارية، وبناء المعابد المدرّجة المعروفة بالـزقورات، ووضع أولى القوانين الإدارية والدينية. كما قدّموا إنجازات مهمة في الرياضيات والفلك.
الحضارة الأكادية
في حوالي 2334 ق.م، وحّد سرجون الأكدي مدن بلاد ما بين النهرين تحت حكم واحد، مؤسسًا أول إمبراطورية في التاريخ. امتزجت الحضارة الأكادية بالسومرية، وانتشرت اللغة الأكادية كلغة رسمية في المنطقة، مما ساهم في تطور الإدارة والحكم المركزي.
الحضارة البابلية
برزت الحضارة البابلية مع مدينة بابل، خاصة في عهد الملك حمورابي (حوالي 1792–1750 ق.م). اشتهر حمورابي بوضع شريعة حمورابي، وهي من أقدم القوانين المكتوبة في التاريخ، التي نظّمت شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وأسست لمفهوم العدالة والقانون.
الحضارة الآشورية
في شمال بلاد ما بين النهرين، قامت الحضارة الآشورية، التي عُرفت بقوتها العسكرية وتنظيمها الإداري. اتخذ الآشوريون من مدن مثل آشورونينوى عواصم لهم، وامتدت إمبراطوريتهم على مساحات واسعة من الشرق الأدنى. كما اهتموا بالعلم، وتركوا مكتبات عظيمة مثل مكتبة آشور بانيبال.
الإرث الحضاري لبلاد ما بين النهرين
قدّمت بلاد ما بين النهرين للبشرية إنجازات أساسية، منها تطوير الكتابة، والقوانين، والعجلة، ونظم التقويم، والعلوم الفلكية. وقد أثّر هذا الإرث في الحضارات اللاحقة في الشرق والغرب، وأسهم في تشكيل أسس الحضارة الإنسانية الحديثة.
يُجسّد تاريخ بلاد ما بين النهرين قصة الإبداع الإنساني الأول، حيث انتقل الإنسان من حياة الترحال إلى الاستقرار وبناء المدن والدول. ولا تزال آثار هذه الحضارات شاهدة على عظمة هذا الإقليم ودوره المحوري في تاريخ البشرية، مما يجعله بحق مهد الحضارات وأحد أهم المراكز التاريخية في العالم.



