
يعتبر زيت المحرك بمثابة شريان الحياة لأي سيارة، فهو السائل الحيوي الذي يضمن عمل عشرات الأجزاء الميكانيكية الدقيقة بتناغم وسلاسة، ويحميها من الاحتكاك والتآكل والحرارة القاتلة. ورغم أن تكلفة تغييره تعد من أبسط مصاريف الصيانة الدورية. إلا أن إهمال هذا الإجراء البسيط يمكن أن يفتح الباب أمام سلسلة من الأعطال الكارثية التي تتجاوز تكلفتها بكثير سعر بضع ليترات من الزيت الجديد.
عندما يبدأ المحرك بالعمل، يتعرض الزيت لظروف قاسية من الحرارة والضغط، ومع مرور الوقت وكثرة الاستخدام، تبدأ خصائصه الكيميائية بالتحلل. يفقد الزيت قدرته على التزييت الفعال، وفي الوقت نفسه، يتشبع بآلاف الشوائب الدقيقة، من جزيئات الكربون الناتجة عن الاحتراق، إلى برادة المعادن المتآكلة من أجزاء المحرك، بالإضافة إلى الأوساخ والغبار. يتحول الزيت النظيف تدريجيًا إلى مادة لزجة وسميكة، أشبه بالوحل، تفقد قدرتها على التدفق بحرية في الممرات الضيقة للمحرك.
أولى ضحايا هذا الإهمال هي درجة حرارة المحرك. فالزيت القديم يعجز عن امتصاص الحرارة وتوزيعها بفاعلية، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المكونات الداخلية بشكل خطير. هذا الارتفاع في الحرارة، مقترنًا بزيادة الاحتكاك المباشر بين الأسطح المعدنية التي لم تعد مزيتة بشكل كافٍ، يخلق بيئة مثالية للتآكل المتسارع. تبدأ أجزاء حيوية مثل المكابس، وعمود الكامات، والصمامات، بالاحتكاك ببعضها البعض، مما يؤدي إلى تآكلها وتلفها. وفي الحالات القصوى، يمكن أن يؤدي هذا إلى انهيار المحرك بالكامل، وهي مشكلة تتطلب إصلاحات باهظة أو استبدال المحرك بأكمله.
لن يقتصر الضرر على المكونات الداخلية فحسب، بل سيشعر به السائق بشكل مباشر في أداء السيارة. فالمحرك الذي يكافح ليعمل بزيت متسخ وسميك يستهلك طاقة أكبر، مما يترجم إلى ضعف ملحوظ في التسارع وعزم السيارة. والأهم من ذلك، زيادة واضحة في استهلاك الوقود. ببساطة، إهمال تغيير الزيت يجعلك تدفع المزيد من المال في محطة الوقود مقابل أداء أضعف.
لحسن الحظ، ترسل السيارة عادةً إشارات تحذيرية قبل الوصول إلى مرحلة الخطر. فإذا لاحظت أن لون الزيت على مقياس الفحص قد تحول إلى أسود داكن ومليء بالرواسب. أو إذا أضاء مصباح تحذير الزيت على لوحة العدادات، فهذه دعوة صريحة للتحرك فورًا. كذلك، فإن سماع أصوات طرق أو ضجيج غير معتاد من المحرك، أو ملاحظة خروج دخان من العادم. كلها أعراض تشير إلى أن المحرك يعاني ويحتاج إلى عناية عاجلة.
في الختام، يجب النظر إلى تغيير زيت المحرك ليس كمصروف، بل كاستثمار ضروري في صحة وطول عمر سيارتك. إنه إجراء وقائي بسيط وغير مكلف، يحميك من فواتير إصلاح باهظة، ويحافظ على أداء سيارتك وكفاءتها. ويضمن لك قيادة آمنة وموثوقة لسنوات قادمة. فالتكلفة الحقيقية ليست في تغيير الزيت، بل في تجاهله.



