يعد الطربوش أحد أبرز الرموز التراثية في العالم العربي والإسلامي، فهو ليس مجرد غطاء للرأس، بل يحمل في طيّاته قصة طويلة من التحولات التاريخية والثقافية التي امتدّت من شمال إفريقيا إلى بلاد الشام والأناضول. وقد مر الطربوش برحلة غنية جعلته رمزًا للهوية، والهيبة، والانتماء الاجتماعي في مراحل مختلفة من التاريخ.

الأصل والنشأة
تعود جذور الطربوش إلى المغرب، وتحديدًا إلى مدينة فاس المغربية، التي يُعتقد أنّه استمدّ منها اسمه في اللغات الأوروبية، حيث يُعرف بالـ “Fez”. أما الكلمة العربية “طربوش”، فترجّح أصولها إلى الكلمة الفارسية “سَرپوش” (أي غطاء الرأس)، والتي دخلت إلى العربية عبر التركية العثمانية بصيغة “تربوش” أو “ترپوش”.
كان الطربوش في بداياته يصنع من اللباد الأحمر أو القرمزي، وله شكل أسطواني أو مخروطي مائل قليلًا، وغالبًا ما يعلوه شرابة سوداء حريرية تتدلى من أعلاه.
الطربوش في العهد العثماني
عرف الطربوش انتشارًا واسعًا خلال القرن التاسع عشر. حين تبنّاه السلطان العثماني محمود الثاني (1808–1839) كجزء من إصلاحاته الإدارية واللباسية الهادفة إلى توحيد مظهر موظفي الدولة وجيشها. فقد أصدر السلطان مرسوما بإلغاء العمامة التقليدية التي كانت ترمز إلى الطبقات الدينية والاجتماعية المختلفة. واستبدلها بالطربوش ليكون رمزًا للمواطنة والمساواة في الدولة العثمانية الحديثة. ومن إسطنبول انتشر الطربوش إلى سائر الولايات العثمانية، من البلقان إلى بلاد الشام ومصر والحجاز وشمال إفريقيا.
الطربوش في العالم العربي
أصبح الطربوش بعد ذلك جزءًا من الزي الرسمي للنخبة والموظفين والعلماء في مصر وبلاد الشام، وارتبط بمظاهر الرصانة والوجاهة. كان السياسيون والكتّاب والمثقفون في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يظهرون به في الصور واللوحات، فصار رمزا للأناقة والعقلانية والانتماء إلى العصر الحديث. في مصر، كان الطربوش جزءًا من الزي الرسمي حتى منتصف القرن العشرين، وقد ارتداه الزعماء أمثال سعد زغلول ومصطفى النحاس. وفي بلاد الشام، ظل شائعًا بين الوجهاء والعلماء والتجار.
أفول الطربوش وبقاؤه رمزًا تراثيًا
مع تحوّلات القرن العشرين، بدأ الطربوش يفقد مكانته الرسمية. خصوصًا بعد إصلاحات مصطفى كمال أتاتورك في تركيا عام 1925، حيث حُظر ارتداؤه باعتباره رمزًا من رموز الماضي العثماني. كما تراجع استخدامه في باقي الدول العربية مع ظهور الأزياء الأوروبية الحديثة. إلى أن أصبح جزءًا من الزيّ التراثي أو الفلكلوري في المناسبات والاحتفالات الشعبية. ورغم ذلك، بقي الطربوش حاضرًا في الذاكرة الثقافية العربية. حيث كان يُستعمل في الفنون والمسرح والموسيقى كرمز للأصالة والهيبة. كما يرتديه بعض أصحاب الحرف التقليدية والفرق الموسيقية الشرقية حتى اليوم.
رحلة الطربوش من فاس إلى إسطنبول ثم إلى القاهرة ودمشق والقدس وبيروت ليست مجرد مسار لقطعة من اللباس. بل هي رحلة لهوية ثقافية كاملة عبّرت عن مراحل التحول في المجتمعات العربية والإسلامية. فقد جمع الطربوش بين الأصالة والتجديد، وبين الموروث المحلي والنفوذ العثماني. ليبقى حتى يومنا هذا رمزًا أنيقًا من رموز الذاكرة التاريخية العربية.



